الثلاثاء , 11 ديسمبر 2018
أخبار عاجلة
المـــــــوت

المـــــــوت

كتبت : إسراء أحمد 

كثير من الناس يخافون من مجرد سماع كلمة الموت مع انهم يعلمون تماما انه هو الشئ الحقيقى الموجود فى هذه الدنيا وان حياتهم مهما طالت من الزمن فمصير كل منهم الفناء و الزوال والانتقال الى حياة اخرى – كما احب ان اسميها- او مرحلة مابعد الموت.

الموت لا يفرق بين كبير و صغير او رجل و سيدة او غنى و فقير او من كان مريضا او بصحة جيدة .. ياتى فجاءة بدون اى مقدمات او إنذار او موعد سابق .. لا اريد ان استخدم لفظ “يخطف” او “ياخذ” مننا أعز الاحباب او اقرب الناس لنا ولكنه فى رأئى انه “ينقلهم” من مكانهم وسطنا كجسد فقط الى مكان اخر معلوم بينما تبقى أروحهم بيننا تؤنس وحدتنا

وتملئ علينا فراغ عدم وجودهم امام أعيننا كما تعودنا .. وتبقى ذكراهم معلقة فى أذهاننا بكل المواقف التى مررنا بها سويا وحتى ادق التفاصيل الصغيرة والتى تجعلنا فى بعض الاوقات نبتسم عندما نتذكرها او نبكى حين تخطرعلى بالنا ولكن فى النهاية نتفق انه فى كلتا الحالتين يردد لساننا كلمات الرحمة والمغفرة لهم.

اعترف اننى كنت فى وقت من الاوقات مثل هؤلاء الناس اخاف من مجرد سماع كلمة الموت ولا استطيع ان اتخيل عدم وجود اقرب او أعز الناس لي من حولى ويكون الموت هو سبب الفراق بينى وبينهم وان اقصى سبب يمكن ان افكر فيه للفراق او البعد بيننا هو السفر .. ولكننى مررت بأول تجربة لى للفراق ويكون السبب هو الموت .. كان هذا عند وفاة ابنة عمى وأختى وصديقتى .. كان الامر صدمة بالنسبة لي ولم اتمكن من إستيعابه لفترة زمنية كبيرة بعدها .. لم أتمكن من تخيل اننى لن استطيع رؤيتها او التحدث إليها او مقابلتها والخروج معا كما تعودنا .. أننى لن أستطيع أن اوفى بعهدى لها بأننى سوف أدبر أمورى فى عملى لاخذ اجازة والسفر معأ لاسوان كما وعدتها واتفقت معها .. كل هذه الامور لم اتمكن من فعلها والسبب انها رحلت وتركتنى افكر كيف يمكننى التعويض عن كل هذا ولكن فى ظل عدم وجودها.

الاصعب ان الامر كان بالنسبة لى سببا فى احتكاكى – لاول مرة – لمراحل الغسل والكفن والدفن .. لم اعهد لهذه الامور من قبل كنت اسمع أو اقراء عنها فقط .. لن استطيع وصف شعورى او حالتى وقتها كيف كانت لان ليس هناك من الكلمات مايكفى لوصف حالى .. ولكننى ما اندهش له فى حالتى هو كيف لشخص لم يشهد هذه الاحداث من قبل كيف تأتى له المقدرة على إدراك كل تلك الافعال والتصرفات التى يلمسها ويرأئها لاول مرة فى حياته بل و مجاراة من حوله فى تلك الافعال .. كيف يستطيع لى ان امسح وجها بالماء وان اضفر لها شعرها بدلا من ان اضع لها مكياج الفرح او تعديل خصلها .. كيف ان أرى جسدها يلف فى الكفن بدلا من مساعدتها فى إرتداء فستان فرحها .. كيف استطيع ان اسير خلفها وهى محمولة فى نعشها بدلا من السير فى زفة العرس .. كيف لي أن اقراء سورة الفاتحة و ادعو ترحمآ عليها بدلا من قرأتها لها مباركة للزفاف والدعوة لها بالخير والسعادة .. كيف لي أن اضعها فى مثواها الاخير وارى التراب وهو يؤارى جسدها بدلا من أن انثر الورد امام طريقها.

لم ولن تمحى ذكرى تلك التجربة من وجدانى او ذهنى ابداا الى اخر لحظة فى عمرى.

تلك التجربة اثبتت لي بكل تفاصيلها الاليمة ان هناك اشياء كثيرة ممتعة وجميلة فى حياتنا و حولنا لا يمكن الاستغناء عنها لانها تكون سبب فى إسعادنا وإسعاد الاخرين و لا يمكن الافراط فيها ولكن فى نفس الوقت لا يجدى الضيق او الحزن على اشياء لا تكون من نصيبنا او أشياء كنا نتمناها ولكن لم تتحقق .. فكل شئ نصيب.

تلك التجربة كشفت لي أن السعادة و الحزن ما هما الا اختيارات امامنا ونحن من نختار بينهم .. تلك التجربة اثبتت لي أن الانسان لايستطيع العيش بمفرده ابداا بدون وجود شبكة دعم و امان من اقرب الناس له حوله .. تلك التجربة جعلتنى اقتنع بمبدأ مبادلة الكراهية بالحب او بالتجاهل وعدم الالتفات لتلك المشاعر .. تلك التجربة اثبتتلي بأن ماتقدمه من خير وسعادة لمن حولك سيرد لك خيرا ايضا حتى و إن لم يكن فى وقتها.

الراحلون عن دنيانا رحلوا بأجسادهم فقط ولكنهم باقون فى وجداننا وقلوبنا .. يروننا ويسمعوننا يأتون لنا ويجالسوننا نتبادل معهم الحكايات .. نتشاور معاهم فى حياتنا كما تعودنا .. نأخذ بنصائحهم لنا فى اصعب الامور التى نمر بها.

الحياة إن طالت او قصرت فهى حياة ستنتهى فى وقت من الاوقات .. الموت ليس نهاية المطاف ولكنه بداية لطريق اخر ستسلكه ولكن هذه المرة لوحدك لن يكون بجانبك احد .. ولكن ما لاينتهى ابدا هو الذكرى الجميلة التى تتركها لمن حولك.

الذكرى الجميلة والدعوة لك بالرحمة والمغفرة.